السيد كمال الحيدري

282

شرح بداية الحكمة

ويرى المصنّف أن هذه النظرية تُذكر في كتب المنطق والفلسفة على سبيل التقريب لا على سبيل الواقع والحقيقة ؛ وذلك باعتبار أن تقشير هذه المفاهيم الجزئية يعني أن هذه المفاهيم الجزئية فيها قابلية أن تكون شيئاً آخر ، والحال أن المفهوم كيفما فرض هو فعلي لا يقوى على أن يصير شيئاً آخر . وبالإضافة إلى ذلك يرد على هذه النظرية أن هذا المفهوم هو مفهوم جزئي مبهم لا كلي ، فيقرب من نظرية ديفيد هيوم . والمفهوم الجزئي المبهم لا يحكي عن الأفراد المشخّصة في الواقع الخارجي . وعليه ، فالكليات لا تحصل في الذهن عن طريق التقشير ، وإنما المفيض لهذه الكليات هي موجودات مجرّدة عن المادّة وآثارها ، أي الموجودات العقلية وعالم العقل ، غاية الأمر أنه لكي تفاض الصورة الكلية ، تحتاج إلى شرائط معدّة . فالمفيض للمعقولات الكلية موجود مجرّد عن المادّة وآثار المادة ، فإذا تحقق المعلول تكون علته متحققة ، فيثبت أن عالم العقل هو واحد من جملة عالم الإمكان ، وهو الموجود المجرّد عن المادّة وآثارها ، بل هو المجرّد ذاتاً وفعلًا . فالعالم الأول من عوالم الإمكان هو عالم العقل ، وأحد البراهين لإثبات عالم العقل ، هو وجود الصور الكلية . وفي المرتبة الثانية هناك صور خيالية مجرّدة عن المادّة ولكنها ليست مجرّدة عن آثار المادة ، ولابدّ أن يكون المبدأ المفيض لها موجوداً مجرّداً عن المادّة دون آثار المادة ، وهذا ما يسمى بعالم الخيال المنفصل وعالم البرزخ الذي هو وسط بين عالم العقل وعالم المادة . كما يثبت وجود عالم المادة ؛ لأن الصور المحسوسة لا تتحقّق إلَّا إذا ارتبطت بالمادة . ومن هنا ذهبت مدرسة الحكمة المتعالية إلى تثليث عوالم الإمكان : عالم العقل المجرّد عن المادّة وآثارها ، وعالم المثال المجرّد عن المادّة دون آثارها ،